الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

184

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جسَدَهَُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ - فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ - وَعَزَّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ - وَهِيَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكَ - وَكَيْفَ لَا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ - وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بمِعَاَصيِهِ مَدَارِجَ سطَوَاَتهِِ - فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ - وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ - وَكُنْ للِهَِّ مُطِيعاً وَبذِكِرْهِِ آنِساً - وَتَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عنَهُْ - إقِبْاَلهَُ عَلَيْكَ يَدْعُوكَ إِلَى عفَوْهِِ - وَيَتَغَمَّدُكَ بفِضَلْهِِ وَأَنْتَ مُتَوَلٍّ عنَهُْ إِلَى غيَرْهِِ - فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٍّ مَا أكَرْمَهَُ - وَتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى معَصْيِتَهِِ - وَأَنْتَ فِي كَنَفِ ستِرْهِِ مُقِيمٌ - وَفِي سَعَةِ فضَلْهِِ مُتَقَلِّبٌ - فَلَمْ يَمْنَعْكَ فضَلْهَُ وَلَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ ستِرْهَُ - بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لطُفْهِِ مَطْرَفَ عَيْنٍ - فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ - أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أطَعَتْهَُ - وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هذَهِِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ - مُتَوَازِيَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ - لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الْأَخْلَاقِ - وَمَسَاوِئِ الْأَعْمَالِ - وَحَقّاً أَقُولُ مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ وَلَكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ - وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ - وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِكَ - وَالنَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ أَوْ تَغُرَّكَ - وَلَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَمٌ - وَصَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ - وَلَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ - لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ - وَبَلَاغِ مَوْعِظَتِكَ - بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ وَالشَّحِيحِ بِكَ - وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً - وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلًّا - وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ - إِذَا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ وَحَقَّتْ بِجَلَائِلِهَا الْقِيَامَةُ - وَلَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أهَلْهُُ وَبِكُلِّ مَعْبُودٍ عبَدَتَهُُ - وَبِكُلِّ مُطَاعٍ أَهْلُ طاَعتَهِِ - فَلَمْ يَجْرِ فِي عدَلْهِِ